Europe

ما يمكن أن يعنيه قتل قاسم سليماني

What the killing of Qassem Soleimani could mean


By Ali Fathollah-Nejad

من خلال القتل المستهدَف لقاسم سليماني، القائد الإيراني المعروف لفيلق القدس، ذراع العمليات الخارجية القوي التابع للحرس الثوري الإيراني، إلى جانب الرجل العسكري الأول لإيران في العراق أبو مهدي المهندس، تمكّنت الولايات المتحدة من عرقلة سياسة إيران الإقليمية التوسعية. في الوقت عينه، أفضت هذه الخطوة المهمّة إلى فتح باب المشاكل على مصراعيه في ما يتعلق بالصراع الأمريكي الإيراني وسْط لحظة جيوسياسية مضطربة في المنطقة.

واتخذ المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي خطوةً غير اعتيادية بحضوره لأول مرّة على الإطلاق اجتماعاً للمجلس الأعلى للأمن القومي بهدف معالجة الوضع الطارئ المستجدّ في طهران. فالقادة في الجمهورية الإسلامية، ولأسباب مفهومة، في حالة من الصدمة جرّاء هذه الضربة التي لا نظير لها.

لقد فاض الكلام في وصف سليماني بأرقى النعوت، من خبير استراتيجي معروف عالمياً إلى شخصية أشبه بالأنبياء يقودها إخلاصها لمثاليات الثورة الإسلامية. فهو بطل أسطوري في الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية الإقليمية التابعة له، بالإضافة إلى من أهمّ كاتمي أسرار خامنئي.

وشكّل سليماني تجسيداً لسياسات الجمهورية الإسلامية الإقليمية المحترمة والمكروهة في آن، وخدم كقائد بحكم الأمر الواقع في تنفيذ هذه السياسات. فعقب الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003، كان العقل المخطّط الأبرز لتوسّع النفوذ والقوة الإيرانيَين في المنطقة، ساعياً إلى ملء الفراغ الذي خلّفته الحرب. ومع تجريد إيران من قدراتها العسكرية التقليدية نتيجة العقوبات، أنشأ سليماني قوة إيرانية غير متناظرة وعزّزها وبناها بالارتكاز على شبكة إقليمية من الجهات الوكيلة والحلفاء أطلقت عليهم طهران وحلفاؤها اسم “محور المقاومة”. فهابه أصدقاؤه وأعداؤه على حدّ سواء، من بينهم الاستراتيجيون العسكريون الأمريكيون والإسرائيليون الكبار حتّى. ونتيجةً لاستراتيجيته المتمحورة حول الفكرة بأنّ الهجوم هو وسيلة الدفاع الفضلى، برزت إيران كالقوة التي لا غنى عنها في المنطقة. ففي سوريا، كان سليماني مَن ساعد بشار الأسد المُحاصَر على تخطّي الربيع العربي في بلاده، من خلال حملة متهورة ودامية ضد خصوم النظام الذي يرأسه.

وكان المهندس، الشخصية الثانية المهمة التي استهدفتها الضربات الجوية يوم الجمعة ورجل سليماني في العراق، نائباً لوحدات الحشد الشعبي لكن قائدها بحكم الأمر الواقع. ووحدات الحشد الشعبي تكتّل من الميليشيات الشيعية التي أسسها سليماني. وكان المهندس أيضاً قائداً لكتائب حزب الله، وهي أحد أشهر مكونات الحشد الشعبي. بالتالي، كان المهندس من بين أقرب الشخصيات العسكرية لطهران. وقد أمضى معظم حياته بعد البلوغ في إيران، فبدأ العمل مع الحرس الثوري الإيراني في خلال الحرب بين إيران والعراق وعاد إلى العراق في العام 2003 بعد الإطاحة بصدّام حسين. فباتت كتائب حزب الله الميليشيا الوكيلة لإيران الأكثر فعالية.

غير أنّ سليماني قُتِل في الوقت الذي بدأت فيه الإمبراطورية الإقليمية التي أسّسها تتزعزع. فقد دعت الاحتجاجات الجارية في العراق ولبنان إلى تنحّي الطبقات السياسية المذهبية والفاسدة في كلا البلدَين. وفي بيروت وبغداد كلتيهما، شكّلت طهران جزءاً من تلك الأنظمة السياسية، وبالتالي، هي متواطئة في الآثام التي اقترفتها هذه الأنظمة.

وفي العراق خصوصاً، انتفض الشيعة في وجه دور إيران الكبير والزائد وتدخّلها العلني في شؤون بلادهم. فحتّى مؤخراً، كان سليماني يترأس اجتماعات أمنية عراقية مهمة. وهذا ما حصل أيضاً بعد أن اندلعت الاحتجاجات السلمية العراقية في أكتوبر الماضي، عندما اقترح سليماني مواجهة تلك الاحتجاجات بالقمع المميت، بقيادة ميليشيات حليفة لإيران مثل كتائب حزب الله، مما أسفر عن مقتل مئات العراقيين. وقد اعتُبرت عبارته الشهيرة التي أتى على ذكرها في خلال ذلك الاجتماع: “نحن في إيران نعرف كيف نتعامل مع المحتجّين” نذيراً أيضاً بالقمع الشديد غير المعهود للاحتجاجات في إيران بعد شهر. وعندما أفيد بأنّ خامنئي قد اغتاظ وخاب أمله جراء إسقاط المحتجين الإيرانيين تماثيل له وحرقها، تعهّد سليماني بالانتقام إذا ذرف خامنئي دمعة واحدة. ومثّل بذلك سليماني الجمهورية الإسلامية كقوّة معادية للثورة في موجات الربيع العربي المتتالية، فيما خشي المحتجون في إيران نشر عناصر ميليشياته الإقليميين المدربين جيداً لقمعهم.

لذلك، على الرغم من الاحترام الكبير الذي حظي به سليماني في أنحاء إيران باعتباره مشغِّلاً عبقرياً في الجزء الذي يعني إيران من العالم، تسبب موته بظهور احتفالات في شوارع العراق وفي سوريا، حيث يُكنّ له كره شديد بصفته العقل المدبّر الأكبر في جلب الموت والدمار إلى هذين البلدين.

وقد يطلق اغتيال سليماني العنان لردّ فعل غير متوقع من القوى الوفية له في أنحاء المنطقة والعالم. لكن في إيران، طغت على لحظات الحزن العام العفوية والمدبّرة التي عبّر عنها التابعون الأوفياء له اللامبالاةُ الواضحة لمعظم الإيرانيين إزاء اغتيال شخصية النظام المهمة هذه، التي تُعتبر الشخصية الثانية الأهمّ بعد المرشد الأعلى. وصوّرته حملة العلاقات العامة الأخيرة التي أطلقها النظام على أنه شخصية قومية بالإجمال وأنّه مسؤول عن بروز قوة إيران الإقليمية والحامي الأول لأمن إيران القومي من خلال دوره في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، فيما اعتُبر أيضاً شخصية نادرة من النظام غير منخرطة في فساد النخبة المتفشّي، وهو تصوير صدّقه بعضهم. لكن بشكل عام، يخشى معظم الإيرانيين تداعيات قتله المتمثّلة بحرب كارثية.

وكما كان متوقعاً، كانت تهديدات الردّ الصادرة عن القادة الإيرانيين طنّانة ومتوّعدة. فقال ناطق رسمي باسم الحرس الثوري الإيراني إنّ الاغتيال بداية “فصل جديد” للحرس الثوري الإيراني و”محور المقاومة”، اللذَين سيردّان في أنحاء العالم الإسلامي من أجل “الشهيد سليماني”، فيقلبان “فرحة الأمريكيين والصهاينة الحالية” إلى “حداد”. ثمّ ادّعى الناطق الرسمي أنّ للحرس الثوري الإيراني “شخصيات أخرى كثيرة مثل سليماني”، غير أنّه لم يتمّ تعريف الناس بهم بعد احتراماً للقادة الحاليين، وهو بيان يهدف إلى دحْض الاقتراح الصحيح لكن المؤلم بأنّ استبدال سليماني مستحيل.

وعلى الرغم من ضرورة حفظ ماء الوجه بالردّ سريعاً وبمستوى موازٍ، الخيارات المتاحة لطهران لذلك رديئة، وهي على علم بهذا الأمر. فقد تُعرّض حربٌ شاملة مع الولايات المتحدة صمودَ النظام للخطر فيما يَحرُم تصعيدٌ في الخليج العربي إيرانَ مما تبقّى من عائداتها الشحيحة من النفط. لكن في العراق ولبنان، قد تبرز الفرصة للردّ على المصالح الأمريكية والإسرائيلية بشكل من الأشكال. لكن في كلتا الحالتين، لا يجدر الاستهانة بتكاليف ذلك، ولا سيّما بسبب تراجع شعبية إيران والمجموعات الحليفة لها في هذَين البلدَين. ويكمن الردّ الأقل خطورة في تصعيد درامي أكثر في الصراع النووي، من خلال نيّة إيران الإعلان في خطوتها التالية عن الحدّ من التزاماتها في الاتفاق النووي.

اغتيال سليماني سيفٌ ذو حدَين. فهو يرسل رسالة قوية وفعّالة لطهران بأنّ توسعها الإقليمي لن يبقى بلا ردّ من الآن فصاعداً، فيما يحتمل أن يُغرِق الشرقَ الأوسط في وضع فوضوي أكثر لا يمكن التكهن به. بغضّ النظر، لقد دخلنا مرحلة مجهولة المعالم، ويترك هذا الأمر الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية في حالة خوف مما قد ينتظرهم في المستقبل. فلن ينجم عن أيّ تصعيد عسكري ذي معنى إلّا خاسرين، بدءاً من سقوط المنطقة في هاوية تعمّها الفوضى وصولاً إلى عرقلة تدفق النفط الحيوي وأخيراً وليس آخراً القضاء على الانتفاضات الشعبية السلمية في لبنان والعراق وإيران بنفسها.